صديق الحسيني القنوجي البخاري
150
أبجد العلوم
وهكذا إلى حصول التوطن . فإذا نظرت في المبحث من أوله إلى آخره على هذا الوجه المذكور فلا يخلو حالك عن أحد هذه الأمور الثلاثة . إما أن لا تكون أنت واجدا ومصيبا لشيء من القوادح أصلا ، فعدم الوجدان والإصابة إما لقصور ذهنك عن إدراكه أو لعدمه لكمال من حرره في التحرير بحيث لا يتطرق إليه قدح ولا نقض أصلا ، أو لوقوع تحريره هذا كاملا . وإما أن تكون أنت واجدا لشيء من الأشياء الواردة القادحة المدفوعة التي دفعها الناس أو أمكن دفعها . وإما أن تكون أنت واجدا لشيء من الأشياء الواردة الغير المدفوعة . ولا قصور في شيء من هذه الأحوال التي هي الأمور الثلاثة المذكورة إلا في الحالة الأولى ، فإن القصور فيها محتمل كما تقدم . وإذا كانت ناشئة من القصور وظهر لك أن لحالة الأولى منشؤها قصور ذهنك عن دركه فلا تفتر جدك وجهدك في النظر والمطالعة بل استمر وأثبت على ذلك ، فإن الممارسة لشيء والملازمة له تورث الكمال في ذلك الشيء . فإذا فرغت عن النظر في المبحث الأول بالطريقة المهدية إليها الهادية إلى الحق فانظر في المبحث الثاني من أوله إلى آخره على الوجه الذي أريناك ، فإن ظهر عليك أن القصور في نفسك باق بعد بأن لم تجد مدعاه أو شيئا من القوادح فلا تفتر جدك وجهدك في النظر والمطالعة بل أثبت فانظر في المبحث الثالث على ذلك الوجه ، وهكذا إلى أن يتم الكتاب . فإن حصل لك الكمال فذلك وإلا فإعادته إلى كتاب آخر فآخر إلى أن يحصل لك الكمال ، وعد نفسك محلا قابلا لفيضان الكمالات عليها ، ولا تيأس من فضل اللّه فإنك أيها العاقل لست من الذين قد محاهم المخاطبون عن دفاترهم ، وفضل اللّه على الخلق أوسع من خواطرهم . وإذا وقع جدك وجهدك في المطالعة على هذا النهج والطريق المذكور سنة أو أكثر إلى سنتين لا أظنك أن لا تترقى بل أجزم أن تترقى في المطالعة إلى وجه تقدر على تمييز المقبول من الأحكام عن المردود منها ؛ فإذا صرت مقتدرا كامل القدرة على ذلك الطريق بحيث لا يحوم حولك قصور ولا خطأ ولا فتور فارتق إلى حيث خلقت نوعا أو شخصا له من المراتب العالية من الكمالات النفسية التي هي معرفة اللّه تعالى ذاتا وصفة حيث قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي ليعرفون كما فسر بعضهم . قف : اعلم أن الشارح والمحشيّ إذا زاد على الأصل شيئا فالزائد لا يخلو إما أن يكون بحثا أو اعتراضا أو تفصيلا لما أجمله أو تكميلا لما نقصه وأهمله ، والتكميل إن كان مأخوذا